الشوكاني
18
فتح القدير
بدلا من الحق ( ويعلمون أن الله هو الحق المبين ) أي ويعلمون عند معاينتهم لذلك ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز أن الله هو الحق الثابت في ذاته وصفاته وأفعاله ، المبين المظهر للأشياء كما هي في أنفسها ، وإنما سمي سبحانه الحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره . وقيل سمي بالحق : أي الموجود لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم . ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال ( الخبيثات للخبيثين ) أي الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال : أي مختصة بهم لا تتجاوزهم ، وكذا الخبيثون مختصون بالخبيثات لا يتجاوزونهن ، وهكذا قوله ( والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ) قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأكثر المفسرين : المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات ، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات . قال النحاس : وهذا أحسن ما قيل . قال الزجاج : ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء ، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبث ومدح للذين برءوها . وقيل إن هذه الآية مبنية على قوله " الزاني لا ينكح إلا زانية " فالخبيثات الزواني ، والطيبات العفائف ، وكذا الخبيثون والطيبون ، والإشارة بقوله ( أولئك مبرؤن مما يقولون ) إلى الطيبين والطيبات : أي هم مبرؤن مما يقوله الخبيثون والخبيثات ، وقيل الإشارة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة وصفوان بن المعطل ، وقيل عائشة وصفوان فقط . قال الفراء : وجمع كما قال " فإن كان له إخوة " والمراد إخوان ( لهم مغفرة ) أي هؤلاء المبرؤن لهم مغفرة عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب ( ورزق كريم ) وهو رزق الجنة . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ولا يأتل ) الآية ، يقول : لا يقسموا أن لا ينفعوا إلا أحدا . وأخرج ابن المنذر عن عائشة قالت : كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك ، وكان قريبا لأبي بكر وكان في عياله ، فحلف أبو بكر أن لا ينيله خيرا أبدا ، فأنزل الله ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ) الآية ، قالت : فأعاده أبو بكر إلى عياله وقال : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا تحللتها وأتيت الذي هو خير . وقد روى هذا من طرق عن جماعة من التابعين . وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد رموا فيه عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك وتكلموا فيها ، فأقسم ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم أبو بكر ان لا يتصدقوا على رجل تكلم بشئ من هذا ولا يصلوه ، فقال : لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك ، فأمر الله أن يغفر لهم وأن يعفى عنهم . وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عنه في قوله ( إن الذين يرمون المحصنات ) الآية ، قال : نزلت في عائشة خاصة . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه عنه أيضا في الآية قال : هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة ، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم التوبة ، ثم قرأ ( والذين يرمون المحصنات ) إلى قوله ( إلا الذين تابوا ) . وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم ، فيقال : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول : كذبوا ، فيقال : أهلك وعشيرتك ، فيقول : كذبوا ، فيقال : احلفوا فيحلفون ، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ، ثم يدخلهم النار " وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة